يُعتبر التجريد (Abstraction) واحدًا من أعظم المفاهيم الموجودة في العلوم كافة، بل يمكنني القول أن العبقرية ليست إلا تجليًا من تجليّات التجريد.

التجريد هو القدرة على استخلاص المعلومات الجوهرية والرئيسية لمشكلة ما والتركيز على صُلب الموضوع فقط، دون الغرق في معترك التفاصيل الجانبية وإهمالها.

تلك هي الرقصة الخفية وراء بناء نظم معقدة وصلبة، قِوام هذه العملية عبر بناء طبقات تجريدية متعاقبة (Abstraction Layers)، كل طبقة مسؤولة عن التعامل مع معضلة معينة وتُخفي دونها كل التفصيلات غير المتعلقة بمستواها، لنضرب مثالًا:

المايكرويف أحد اﻷمثلة على النظم ذات الطبقات التجريدية المتعاقبة، في قمة هرم المايكرويف نجد الطبقة التي يتعامل معها المستخدم العادي والتي تدور علاقته فيها مع المايكرويف ضمن مشكلة واحدة محددة “ما الذي يجب أن أفعله ﻷقوم بتسخين الطعام؟” هنا لا يهم المستخدم بتاتًا معرفة كيف يعمل المايكرويف خلف الكواليس ولا حتى هو مهتم بمعرفة تصميمه الميكانيكي ولا الكهربائي، كل مراده تسخين الطعام، ولذلك فإن الواجهة (Interface) الخاصة بهذا المستخدم ليست سوى مجموعة أزرار.

لنتعمّق اﻵن، في الطبقة التي تدنوها، تأتي مهمة عامل الصيانة، يتعامل العامل مع مستوى أقل ومع طبقة أعقد من ذي قبل، وعليه فهو يتعامل مع تفصيلات أكثر، وإن الواجهة التي يتعامل معها العامل هنا هي التوصيلات الكهربائية، وما يهم العامل هنا التأكد ما إذا كانت التوصيلات سليمة أو معتلة، لكن ماذا لو اكتشف العامل عطلًا في لوحة التحكم الرئيسة؟

إن اكتشف العامل عطلًا في لوحة التحكم فإن كل حدود معرفته سوف تنتهي بكل بساطة إلى استبدال اللوحة، هو لا يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك، وهذا لا يهمه أصلًا ضمن طبقته التجريدية.

هنا نأتي لطبقة أشد تعمقًا، طبقة مهندس الكهرباء، المهندس يستطيع تحديد أين يقع العطل في اللوحة بالضبط وهو على دراية بالتفصيلات الموجودة داخل بنية اللوحة والمحرك، وهكذا دواليك بإمكاننا مواصلة الغوص حتى نتعمق في مستويات أشد تعقيدا إلى أن نصل إلى الطبقة اﻷخيرة وهي الفيزياء.

عندما تتزايد طبقات التجريد في نظامٍ ما، وعندما يتعامل مستخدم مع طبقة عليا منه فقط، فإنه سيشعر بأن ما يحدث خلف الكواليس كنوعٍ من السحر.